شيعة العراق بين إنتفاضتين

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
يُرجع أرسطو أسباب قيام الثورات، إلى عنصر أساسي وهو عدم الرضا عن الوضع القائم وهي العلة العامة التي تهيئ النفوس للثورة، وهذا ماينطبق على انتفاضة الشيعة في١٩٩١ و٢٠١٨.
وتعرِّف موسوعة علم الاجتماع الثورة بأنها:التغييرات الجذرية في البنى المؤسسية للمجتمع ، التي تعمل على تبديل المجتمع ظاهريا وجوهريا من نمط سائد إلى نمط جديد.
والفرق بين الثورة والحركة الاجتماعية ان الثورة وسيلة من وسائل الحركة الاجتماعية،  واما الفرق بين الثورة والانتفاضة فهو أن الثورة تكون سريعة عكس الانتفاضة التي تمتد لفترة زمنية أطول.
ويمكن القول أن قيام شيعة العراق ضد نظام صدام حسين بعد إنكساره في الكويت١٩٩١، وقيامهم في ٢٠١٨ ضد البيت الشيعي الحاكم في العراق منذ ٢٠٠٥، يدخل ضمن مفهوم الانتفاضة.
فقد إنتفض شيعة العراق مع إنكسار العراق و إنسحابه من الكويت١٩٩١،  وهتفوا  “ماكو ولي إلاّ علي وإنريد قائد جعفري”، بعد أن إنقسموا لطرفين أحدهم مع صدام وآخر مع إيران.
كما إنتفض شيعة العراق٢٠١٨، وهم على أبواب إنكسار  و إنسحاب إيراني محتمل، فإنقسموا لقسمين أحدهم مع العراق ضد إيران و آخر مع إيران ضد العراق.
و قد تكون الأسباب التي دعت شيعة العراق  للإنتفاض في المرتين متشابه، و إن كانت الأولى ضد نظام قومي و الثانية ضد نظام ديني، وقد فصلت بينهما ٢٨ سنة.
فهُناك فراغ أمني و سياسي صاحب إنكسار صدام بعد غزوه الكويت و مثله يصاحب اليوم إنكسار إيران و إنسحابها المحتمل بعد غزوها عواصم العرب.
و في المرتين حصلت فجوة بين شيعة العراق و نظام صدام ١٩٩١ و بينهم و بين نظام ولاية الفقيه ٢٠١٨.
و كما قمع صدام بعنف إنتفاضة شيعة العراق في ١٩٩١، فلجأوا للسعودية حيث تمت رعايتهم أمميا في مخيمات رفحاء و توزعوا بعد ذلك على الدول لاجئين، قد تقمع إيران إنتفاضة شيعة العراق اليوم.
و فرصة إيران التي إقتنصتها بعد إنتفاضة شيعة العراق في ١٩٩١، فاحتضنت أحزابهم الدينية و مليشياتهم، و ربطتهم بمشروعها الجهادي الديني الدموي بعيداً عن وطنهم و مجتمعهم و عروبتهم، قد لا تتكرر اليوم.
 إن إضطرار شيعة العراق في اللجوء للكويت و السعودية قد يتكرر في رفحاء أخرى، دون أن يكون لإيران فرصة إحتضانهم بعد الفجوة بينها و بينهم و حالها اليوم معرض لهجرة المنتفضين الإيرانيين فيها خارج إيران.
إن الإنقسام الشيعي  الذي نراه اليوم بين شيعة الدولة و شيعة اللادولة المرتبطين بإيران، ولد مبكراً مذ حط خميني ضيفاً في أرض العراق في سبعينيات القرن الماضي.
و لما إستلم السلطة في إيران و هنأه صدام أجابه خميني بالسلام على من إتبع الهدى،  و شن حملته ضد نظام صدام و دعا لتحرير العتبات الدينية و بدأت الحرب العراقية الإيرانية.
و كنت تجد في العائلة الشيعية الواحدة، أحد أفراد العائلة رفيقاً حزبياً، و تجد شقيقه في حزب الدعوة معتقلاً او معدوماً وفق المادة ١٥٦ من قانون العقوبات البغدادي.
و في الوقت الذي قاتل الشيعة الموالين لصدام إيران، كان فيلق بدر يقاتل برعاية الحرس الثوري ضد العراق.
و قد قام حزب الدعوة بعدة عمليات إرهابية خلال الحرب العراقية الإيرانية، إستهدف بها وزراة التخطيط و سينما النصر و الجامعة المستنصرية و سفارة العراق في بيروت و غيرها.
و حين شرب الخميني كأس السم في ٨-٨-٨٨، إنتعش الفريق الشيعي العراقي الموالي لصدام على الفريق الشيعي الموالي لإيران، لكن هذا الإنتعاش إنقلب الى عكسه بعد إنكسار الجيش العراق و إنسحابه من الكويت.
فقد وقف أحد أفراد الجيش المنكسر في ساحة سعد في البصرة و وجه فوهة مدفع دباباته الى إحدى جداريات صدام فجعلها حطاما، و خرج شيعة البصرة و من بعدهم شيعة الجنوب و الفرات الاوسط ضد صدام، فهتفوا “ماكو ولي الا علي و انريد حاكم جعفري”.
لكن صدام ضربهم بوحشية و قمع مفرط، فلجأ شيعة العراق الى إيران التي فتحت لهم ذراعها و كرست فيهم كراهية العرب و العراق و الوطن و المواطنة، و ربطتهم  بمشروعها الجهادي الشيعي الديني المسلح العابر للحدود.
ثم إحتلت أميركا العراق و حررت شيعته من صدام و منحتهم ١٣ مقعد في مجلس الحكم المتكون من ٢٥ مقعد، مقابل ٥ مقاعد للكورد و مثلها للسنة و مقعدين للأقليات.
فكان للشيعة ما أرادوا من حاكم جعفري متمثلاً بابراهيم الجعفري في ٢٠٠٥، و برعاية البيت الشيعي الذي تحكم بالمشهد الأمني و السياسي في ظل الحرس الثوري الإيراني من ٢٠٠٥- ٢٠١٨.
فإنتقم شيعة العراق من سنته تحت رعاية البيت الشيعي من العراق و إستهدفوا العراق دولة و وطنا و مجتمعا و وجدت كفاءات العراق العلمية و العسكرية نفسها بين قتيل و معتقل و مهجّر.
و شهدت بغداد و المناطق المختلطة أعنف حملات التصفية و التطهير الطائفي، و أُعدم رموز نظام صدام و مئات غيرهم.
 و إمتلئت المعتقلات بالأبرياء، فيما تم ضرب بقية محافظات السنة بالقاعدة بعد تفجيرات سامراء ٢٠٠٦ ثم بداعش في ٢٠١٤.
و ربما شعر شيعة العراق الموالين لإيران، أن الله قد إنتقم لهم من أعدائهم، و إنهم ربما يعيشون في رعاية دولة المهدي المتتظر، بل قالوا حشدنا دايم حتى يقوم القائم، على أساس أن الحشد الشعبي هم جنود المذهب الشيعي.
لكن إيران و من خلال داعش التي أطلقها المالكي من السجون بقرار إيراني لضرب الثورة السورية و حراك محافظات السنة في ٢٠١٣، جعلت الشيعة يدفعون ثمناً باهظاً.
و مع إنتهاء المعركة مع داعش ، إنقسم البيت السياسي الشيعي أمام إنتخابات ٢٠١٨ الى خمسة أقسام، وسط مقاطعة أغلب الجمهور الشيعي.
و رغم محاولة سليماني و مجتبى خامنئي و كوثراني لاعادة لحمة البيت الشيعي، عجز البيت الشيعي عن تشكيل الكتلة الأكبر حتى دخل تموز، فإنفجر الجمهور الشيعي ضد البيت السياسي الشيعي.
و إنفجار الجمهور الشيعي ضد البيت السياسي الشيعي و إرتباطه بإيران  اليوم وضد صدام في ١٩٩١ ، له أسباب قديمة جديدة.
فجنوب العراق تلك الرقعة المحصورة بين الكوفة و البصرة و واسط أرض النخيل و التمر و الخبز و الماء العذب و الشعر حيث المتنبي و أبو معيشيي من سوق الشيوخ و عريان السيد خلف؛
 و أرض الألحان و الأصوات العذبة من داخل حسن و مسعود العمارتلي و قحطان العطار و طالب القره غولي؛
 و أرض أصول العرب و تراثهم من نجد للحجاز  واليمن الى بادية الشام و حمص و جزيرة الموصل و الأنبار للمحمرة و الأحواز؛
في هذه الارض إنسان يعشق التمرد على السلطة و تفور فيه روح الثورة  كما تفور أرضه في حر تموز؛
إنسان يحب الدين ببديهة و بساطة روح يفهمه عدلاً و إنصافاً، لا سياسات و أحزاب و مليشيات، فهو بن ثورة العشرين، لكن أين يمضي إنتماءه الإنسان الديني او المذهبي هناك؟
حقيقة الأمر يتعلق بشأن واحد لا غير  هو وجود الإنسان على أرض آباءه و أجداده فالعراقيون في الجنوب فقدوا وجودهم وا إتماءهم بسبب الإنتماء للبيت الشيعي المذهبي و هنا إن نسال عما فعلته ايران بأهل الجنوب طوال ١٦ سنة؛
لقد أذلت إيران العراقي الهارب اليها من جحيم صدام و الذي قاتل معها صدام و شعبه و جيشه، كما قال عزت الشابندر ؛
و أهل الجنوب يرون إن الايراني مفضل في العراق فهو يسرح و يمرح و يشتري البيوت و يعبر الحدود بكسر بواباتها الحدودية وقد فعلها لسنتين متتاليتين  بحجة الزيارة؛
و الإيراني يُهين الشرطة العراقية العاجزة عن عمل شي ضدهم، و الجندي العراقي يسمح أقدام الزائر الإيراني، وسط صمت حكومي عراقي مرعب تجاه ما يحدث.
كما يرى العراقي الشيعي نفسه مهاناً و هو يزور اإران، من الحدود الى مشهد مروراً بطهران و أصفهان و غيرها.
فالشعي العراقي الذي كان يحلم بالإخوة الشيعية الشيعية يُهان في بلد التشيع و ولاية الفقيه و ما يفعله حرس الحدود الإيراني بصيادي البصرة أكبر دليل.
كما أمست إيران بوابةً للمخدرات التي أصبحت تهدد سلامة و تماسك المجتمع الشيعي في البصرة و العمارة و النجف مع بطالة مرعبة و فقر و جهل و ضياع جيل كامل من الشباب الجنوبي الشيعي.
هذا بالإضافة الى إن الجنوب العراقي لم يكن ينظر للحالة الطائفية، فأكبر حلف شهدته المنطقة العربية هو حلف المنتفك من آل سعدون الكرام.
و قد إمتد هذا الحلف من الكوت للسماوة و البصرة و الناصرية للمحمرة و إستمر ل٤٠٠ عام و فيه عشائر سنية و شيعية.
و هناك قبائل سنية تعيش في الجنوب منذ مئات السنين،  و هم متصاهرون و متأخون تجمعهم الخولة و العادات القبلية و الرابطة العشائرية قوية جداً في الجنوب.
و قد كان شيعة الجنوب ينبّهون سنة الجنوب بوجود أوامر قتل و تصفية شخصيات سنية بارزة، تأتي من طهران عبر الحرس و إطلاعات، بل إن بعض قادة المليشيات التابعة لإيران من ينوه بذلك.
و قد عززت هذا الأسباب من يقين المواطن الجنوبي الشيعي إن إيران تعمل على تفكيك الرابطة الاجتماعية و تمزيقها  وعزل شيعة العراق عن سنته و عن محيطهم العربي.
 و أجيال العراق اليوم و هم جيل ١٩٤٠-١٩٦٠ قد قاتلوا ضد إيران،  و أما جيل ١٩٧٠-١٩٨٠-١٩٩٠ فقد تربوا على كره نظام الخميني و إنه نظام دجال.
و قد ثبت تورط إيران في تهديد و قتل شيوخ قبائل شيعة و هذا  ما أقر به الشيخ كاظم عنيزان أحد شيوخ البصرة الكبار  الذي وصله تهديد من مخابرات إيران فغادر الى عمان.
و خذ أيضا سياسة تعطيش البصرة و الجنوب و قطع الماء عن شط العرب و الكهرباء و الإعتقال و قنص الصياديين في شط العرب، و خذ مثلها في تجفيف هوار الأحواز، و هم أبناء عمومة مع شيعة الجنوب.
و كل ذاك جعل شيعة الجنوب العراقي يعتقدون أنهم أمام نظام مجرم لا يتوانى في قتلهم بمختلف الطرق.
و فضلاً عن الصراع الواضح بين النجف و قُم فإيران تسوق نفسها إنها زعيمة الشيعة في العالم بدلاً من النجف؛ فقد أدرك شيعة الجنوب إن إيران تستخدمهم فقط لتحقيق مأربها و هم و أبنائهم عليهم أن يدفعوا الدماء كي تبقى إيران.
و هذا ماحصل عقب إحتلال داعش للمحافظات السنية فعشرات الآف العوائل الشهداء اليوم يعيشون دون مُعيل او عمل او سكن او راتب مقابلأان تعيش إيران و يمرح سليماني.
لقد عجزت إيران و بيتها الشيعي في العراق عن تقديم اي نموذج ناجح لشيعة العراق، و تحولت مدن  الشيعة الى مستوطنات للفقر و تجارة المُخدرات و المتعة.
كل ذلك أدى لإنقلاب مئات الشباب الشيعي بعيداً عن إيران،  بل لقد الحد بعضهم  و تحول آخرون للمسيحية .
اذن هناك صراع مُتحدم داخل النفسية الشيعية التي أصبحت تدرك أنها ذاهبة للمجهول، في الوقت الذي كانت تحلم بدولة العدل الالهي التي يعدها بها البيت الشيعي زوراً، فوجدت أنها سراب بقيعة يحسبه الظمان ماءاً.
لقد شيّع شيعة العراق  ومن البصرة حلمهُم الأبدي في دولة يحكمها حاكم جعفري أرادوه قبل ٢٨ سنة، فأدركوا بعد ١٦ من حكمه، إنهم أمام أفسد نموذج حكم عرفته المنطقة، حتى هتفوا كان قبل صدام واحد وهسة الف صدام.
إنها البصرة ومنها،  ينتقض شيعة العراق ويقاتلون المشروع الايراني مرتين، في حرب العراق  مرة، واليوم اخرى، وبينهما إنتفضوا ضد صدام في ١٩٩١، ولم تزل البصرة كما شاعرها السياب تكتب، مطر مطر مطر.
نقلا عن : مستشار مركز العراق الجديد